Print this page

الخطاب البيئي في أقصوصة  “ المنزل الأخضر “ لفضيلة الشابي

ابتداء ، دعونا ننفتح على فضاء  عنوان هذه

القراءة العاشقة  ، للخطاب البيئي في أقصوصة “ المنزل الأخضر” للتونسية فضيلة الشابي ، نظراً لكونه مدخلاً أساسياً , وإشارة أولى لفتح شهية المتلقي .

وعليه ، يعتبر الخطاب “ في أبسط مظاهره ، هو الخطة الأدبية التي يعتمدها الكاتب لإيصال “الخبر” إلى القارئ قصصيا حسب الطريقة التي يشرحها تودوروف ، وبالتالي فإن الهدف منه ،  هو تحقيق التواصل سواء أكان شفويا أو مكتوبا ، وهذا لن يتم إلا بوجود شخصين على الأقل، أما  لفظة البيئي التي تحيل على” كل ما يحيط بالإنسان من ماء وهواء ويابسة ، و من جماد ونبات وحيوان،  وأشكال متباينة من الأنشطة البشرية.

في حين تعني الأقصوصة  شكلا من الأشكال الأدبية القصيرة التي تتميز بكثافتها واختصارها للأحداث والشخصيات ،  وهي في تطور مستمر يلجأ إليها الكتاب ، للتعبير عن مشاعرهم والإفصاح عن مواقفهم واختياراتهم ، ثم  المنزل الأخضر “ ،  العتبة العنوانية لهذه الأقصوصة الموجهة للأطفال التي صدرت في سنة 2020  عن المطبعة المغاربية لطباعة وإشهار الكتاب ،  والظاهر أنه جاء  مصحوبا برسم ملون للطفلة وفاء طويهري، ويجسد نبتة بلسان أفعى ، مما يفصح عن وضعيتين متقابلتين ، وضعية أولى تجسد  الاخضرار سمة مميزة للطبيعة العذراء “ المنزل الأخضر ، ولون دفتي الغلاف الأخضر “ ، ووضعية ثانية تحيل أيقونيا إلى نبتة على شكل أفعى،  تضعنا في صميم السموم التي تلحق بالنباتات البيئية ، مما يعني أن القصدية كانت واضحة  في إعداد الغلاف ليكون موحياويفشي بسر الأقصوصة  ، ذلك أن “ الرسوم تحكي القصة بشكل مواز مع تلك المكتوبة وتكملها “

وبذلك ، تكون مكونات الغلاف اللفظية والأيقونية،  صريحة و أفشت بسر الأقصوصة ، ومن ثم إعلان الخطاب البيئي عن نفسه ، وانحيازه إلى بناء وعي بيئي لدى الطفل ،والمساهمة في بناء شخصيته ووعيه بالعالم من حوله .، وتوعيته بأهمية البيئة وكيفية الحفاظ عليها ، خاصة في  هذه اللحظة التي تفاقم فيها الاعتداء على كوكب الأرض ، ويظهر ذلك بوضوح  في موجات الحر الشديد ، وحرائق الغابات ،وعواصف أكثر تطرفا، وأنهارا جليدية تختفي أمام أعيننا. مما ينذر بنهاية العالم المناخية ، ويستوجب التدخل في نشر وعي إيكولوجي ضد التلويث .

 تتركب  أقصوصة “ المنزل الأخضر “ من تمهيد وخاتمة،  بينهما أربع مشاهد  جاءت كالتالي :

- 1-  محمد يتخاطر ويشيد المنزل الأخضر

-2- التجارب الجينية وعدم احترام البيئة النباتية

- 3-  إنقاذ المنزل الأخضر من السموم الجينية

تشتمل المرحلة التمهيدية لأقصوصة” المنزل الأخضر” على فقرتين ، في الأولى نتعرف على  أفراد الطفل محمد،  وأسرته الصغيرة ( الأب ، الأم ، الأخت ، الأخوين )   داخل محيط بيئي بأدغال إفريقيا الساحرة  ، دون إشارة إلى صفاتهم “ تطلع الطفل محمد إلى أدغال إفريقيا من على المنطاد الذي امتطاه رفقة أبيه وأمه أخته وأخويه ، كانوا يقومون برحلة للتعرف على هذه الأدغال الكثيفة “ص5

أما  في الفقرة الثانية  ، فتقابلنا أمواج صوتية منبعثة من  الأشجار ، وتبادلها الحوار مع محمد “ أحس محمد بأمواج صوتية تصاعد من أفنان وغصون وجذوع قوية وجذور تضرب بعيدا في عمق التربة الرطبة لتلك الأدغال :

- أسكن منزلك الأخضر يا محمد...”ص 5

هكذا نكون أمام افتتاحية مفتوحة ، دون الإشارة إلى زمن الرحلة الذي يبدو مبهما ،ولم تحدده التعابير التالية “ العصر الحجري “ الذي يعود على الأدغال ، و”ست سنوات “ التي تعين عمر الطفل محمد ،  إضافة إلى اتسامها بالهدوء والمباغتة  ،  مما يضفي الحركة على التمهيد حتى يكون له صدى ، وهذا من شأنه تحفيز المتلقي الصغير  على متابعة القراءة والدخول إلى المنزل القصصي الأخضر .

الخاتمة :

بعد  عرض التمهيد والمشاهد الثلاث  ، انتهت الأقصوصة إلى لحظة سعيدة أفصح عنها الكاتبة ، ومنحت الحياة طعماً جميلاً ، وخلقت  في القلوب شعوراً بالرضا “  جرى الإخوة في الطوابق متجهين إلى الغرفة الخامسة ، حيث سيلتئم شمل العائلة ، توقف محمد أن يلحق بإخوته في الركن حيث كان أنصت إلى حوار الجذعين فتناهى إلى سمعه صوت أحدهما :

- لقد أرجع المنزل الأخضر العالم النباتي إلى براءته” ص21

-1- محمد والتخاطر :

--

يرتبط هذا المشهد  بالتمهيد،  من خلال تكرار تحاور الطفل محمد  ، الذي فرض نفسه على شكل تخاطر  ، بعد أن عاد من رحلته  “ بعد أن آوى محمد إلى فراشه ، تساءل :

- كيف فهمت ما أسرت لي به الأشجار بتلك الأذغال البعيدة وكأنها بشر مثلي ، حتى لكأنني مثلها من عنصر نباتي ؟

- إنه التخاطر يامحمد .. “ ص.5

والملاحظ أن هذا التكرار للتخاطر ، يزيد من الصفة التأكيدية، مما يعني  اصطياد الطفل وإدخاله إلى عالم الأقصوصة الأخضر ، من خلال مراوحة ومراودة الأسئلة لذهن “محمد”  ، بين الفضول وتقوية صلته الفطرية بالعناصر الطبيعية ، والاستمرارية في برمجته لاستقبال خطاب بيئي،  وفق استراتيجية فسح المجال لتشبثه  بكل ما يحيل إلى الببيئة وسحرها .

- 2- محمد وتشييد المنزل الأخضر :

--

يعلن الخطاب البيئي  المحلوم به بيتا أخضر منذ لحظة قراءة “ لن يكون بيتي من حجر بل من نبات قال الطفل وهو يغرس النبتة الأولى في أس منزله الأخضر بعد أختار لحفر الأسس موقعا في المرج الوسيع “ص 8

وعليه ،  يتم الإخبار عن فعل بداية تشييد محمد لمنزله الأخضر ، وفي سبيل إنجاز هذا الحلم ، اعتمد السارد على خطة الاستتباع المتسلسل للإخلاص في العمل ، وبالفعل يقبل “ محمد “ على التفنن في هندسة الإنشاء والشغب ، مع العناصر الطبيعية “ كان الطفل المهندس يتفنن في إنشائه فيعن له أحيانل أن يلعب مع الفروع والأغصان فيميلها ذات اليمين حينا وأحيانا ذات الشمال فتطيع وتلين تلاعبه بدورها “ ص 9، لينتهي النفس باكتمال البيت الأخضر وتشييد عشر غرف ، تم توزيعها كالتالي :

 الأولى على الأرض ، الثانية  مفتوحة على السماء ، الثالثة على البحر ، الرابعة على الجبال والأدغال والبراكين ، الخامسة لأفراد أسرته ، السادسة له ولحبيبته حين يكبر ، السابعة للأفكار، الثامنة للاختراع ، التاسعة لأصدقائه ، العاشرة لمن لا مأوى له ، الحادية عشرة للطيور ، الثانية عشرة لأداء الصلاة ، وغرف أخرى لا تحصى ولا تعد .

  • إنقاذ المنزل الأخضر من السموم الجينية :

---

بعد تجربة التخاطر مع الصوت النباتي ،  وتشييد البيت الأخضر تأتي تجربة  التعديلات الجينية ،وهي عبارة عن نقل مورثة أو أكثر من نبات إلى نبات بإحدى طرائق الهندسة الوراثية للحصول على نباتات محورة وراثياً، تحمل صفات جديدة ناتجة عن التعبير الجيني،التي  تتسببت في إحداث خلل بيئي لنباتات المنزل الأخضر  ، “  اقترب الطفل من الحافة استغرب مما رأى ، أطل ، أحس بوهج قوي ينبعث من تلك الأغصان المارقة ، التفت حوله غصون أخرى لها نفس اللون ، ثم إنه سمع كمثل الإفشاء: لقد بدأ جزء من العالم النباتي يخرج عن براءته “ ص14.

مما تطلب التدخل الجماعي لمحمد وإخوته “ يوسف وإيناس” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ،  وأخيار “ سيلتئم شمل العائلة ، توقف محمد قبل أن يلحق بإخوته في الركن حيث كان أنصت إلى حوار الجذعين ، فتناهى إلى سمعه صوت أحدهما :

- لقد أرجع المنزل الأخضر العالم النباتي إلى براءته” ص 21

وتبعا لذلك ، تجد الكاتبة نفسها مضطرة للتدخل ، للحد من هذا التسميم للعناصر الطبيعية ، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل يتفاقم انتهاك البيئة ، ومن هذا المنطلق  قررت الارتكاز على الهندسة الوراثية ، والتنبيه إلى مخاطرها  الصحية وأضرارها البيئية المحتملة ، وتحقيق ما تتطلبه اللحظة من دور توجيهي موجه للطفل ، وسعيها إلى تثقيفه وتنبيهه إلى المخاطر التي تلحق بالبيئة  الزراعية ، وتوعيته بالسرد البيئي ، ومن ثم يستوجب التضامن والتشمير على السواعد للحد من استشراء هذه المجزرة السامة ، قبل فوات الأوان .

وبخصوص المتلقات الجانب الطباعي نسجل  ما يلي :

- كتبت الأقصوصة بخط أسود واضع ، وبأسطر متباعدة ، وهذا من شأنه تسير جمالية التلقي .

- ضبط الكلمات بالشكل الضروري ، مما يساعم في فهم المعنى بشكل صحيح.

- تدعيم بعض المشاهد القصصية برسومات كي بقصد تنشيط العين ، وتثبيت المكتوب  في ذهن الطفل .

ومجمل القول ،نرى أن أقصوصة “ المنزل الأخضر”  للكاتبة المتعددة فضيلة الشابي ،إضافة نوعية لرفوف المكتبة الموجهة للطفل التونسي ، فهي تقدم صورة للبيئة في علاقتها بناشئة الغد ، وتعميق الشعور بالقيم الإيكولوجية ،

من خلال ما نجده من إشارات في ثنايا الأقصوصة ، مما يجعل الطفل المتلقي أكثر انتباها لكل ما يتعلق بها .

بقلم: عبد الله المتقي

 

المشاركة في هذا المقال